lundi 20 mai 2013

سامي وسامية وإبليس

من مكر القدر أو لعلّ من حكمته أن يكون اسمه سامي ويكون اسمها سامية. وأن يأتي بهما في نفس الزمن ليكون في قصّتيهما عبرة لأولي الألباب.
فالإثنان سَموْا بهما فوق القانون.
فأمّا سامي فسَموْا به فوق القانون ظلما وعدوانا. حكمت له محكمة التعقيب أكثر من مرّة. وأبى القائمون بالأمر تنفيذ الحكم وإقامة الحقّ.
وأمّا سامية فسَموْا بها فوق القانون زورا وبهتانا. كالت التهم جزافا ورمت الناس بالجرائم بصريح العبارة. وأبى المشرّعون للأمر رفع الحصانة عنها فجعلوا بينها وبين القانون سدّا.
ولذلك رأيت في القدر مكرا وحكمة. فهو ماكر إذ يجعل من المنادين بتحصين الثورة ليلا نهارا هم الذين يجب تحصين الثورة منهم لعدم احترامهم القوانين ولتعدّيهم على حقوق الناس.
وهو حكيم إذ يبيّن لنا فشل الاعتماد على الوازع الديني وحده لإدارة العلاقات بين الناس وسياسة أمورهم. فمن يصرّ على هضم حقّ سامي لا يكون إلّا واحدا من هذان الاثنان :
الشخص الأوّل :
هو شخص استقرّ في قناعته أنّ سامي مذنب يستحقّ العقاب حتّى وإن حكمت محكمة التعقيب بغير ذلك. فهو بعدم الإفراج عن سامي يحسب نفسه أداة للعدل الإلهي ومحقّقا لإرادة الله. وهو يبات راضيا عن نفسه معتقدا أنّه بريء أمام المولى.
وهكذا يمكن لأيّ إنسان في أيّ موقع أن يحسب العدل الإلهي في شيء يراه وحده ويستقرّ في قناعته وحده فيطبّقه ولو كان خارقا للقانون. فيتصرف كلّ حسب فهمه وعلمه وشعوره ويصبح العيش فوضى والتصرفّات اعتباطيّة.
الشخص الثاني :
هو شخص يقرّ في نفسه أنّ العدل في تطبيق قرار محكمة التعقيب وأنّه إذ يمتنع عن تنفيذ قرارها إنّما يأتي عملا شريرا وسيّئا غايته المصلحة. بيد أنّه ولكي ينام ونفسه راضية، يستذكر حسناته ويراجع ميزانه فيذهب في ظنّه أنّ في ميزانه ما يمحو هذه السيّئة وأنّ الكفّة مائلة للخير أكثر منها للشر فيغفر لنفسه هذه الزلّة.
وهكذا وإذا اعتمد كل نفس التفكير يعمّ الظلم والفساد والكلّ حاسب أنّ ميزانه ثقيل وأن في رصيد حسناته ما يغطّي على سيّئاته.
إنّ الوازع الديني يمكن أن يهذّب الأفراد ولكن لا يمكن أن يسوس العلاقات والتعامل بين الناس. فالذنب من الوجهة الدينيّة يمكن أن يمحوه العمل الخير. أمّا اختراق القانون فلا يمحوه عُمْرٌ من العمل الحسن والتصرّف القويم وهو يوجب العقاب مهما كانت حسنات مقترفه.
قبل زمن لامتناهي وأمام العرش رفض إبليس تطبيق الحكم وظنّ أنّه يمتلك الحقيقة أو لعلّه حَسِبَ أنّ في ميزانه ما يشفع له عدم الإذعان للحكم. فخرج منها مذموما مدحورا إلى يوم الدّين.

jeudi 28 février 2013

الفـــــــــــــــــــــــــــاشــــــــــــــلون

أطبق حكم الترويكا على تونس كليل كثيف الطبقات لا نجوم فيه ولا قمر. سدّ حكمهم أفقنا بعد أن كان رحبا فسيحا. ورغم مكابرتهم في الإقرار بالفشل، فهو يأبى إلّا أن يجثم كفاجعة على صدورنا. فشلهم مرسوم في وجوه التونسيين مناصرين للترويكا ومعارضين لها. غاب الأمل والإيمان بالمستقبل. لا أحد مطمئّن، لا أحد متفائل. بل فريق الترويكا نفسه أكبر دليل على الفشل. تلهج ألسنتهم بالتفاؤل وتخونهم وجوههم، ترهقُها قَترة.
كانت الثورة أملا، كانت الثورة حلما بالتحرّر. طوبى لهم، على أيديهم صارت الثورة سوق عكاظ ومعبرا للاستبداد. غُدِر الشعب وحُوِّلت وجهته وانصبّ اهتمامهم على بناء الديكتاتوريّة.
هل أُنبأكم بالثورة المضادّة والردّة، إنّها في استشراء الرداءة والجهل وسطوع نجم أصحاب الحذلقات اللغويّة وانحسار صوت العقل والحكمة وغياب الإبداع وتحقير أصحاب الفكر والكفاءة.
ومن لؤم الثورة المضادّة أنها تلبس لبوس الثورة كالذئب في قصة "ليلى والذئب"، وتتكلم باسمها وتنصّب نفسها حَكَمًا على ثوريّة الناس. فتسير بسيرة الديكتاتوريّة مستبدلة فقط المفردات. تحكم الحكم المطلق ولا تحترم القانون باسم الثورة. وتُقصي الناس باسم الثورة وتمارس العنف باسم الثورة. وتلغي التاريخ باسم الثورة. وتنشر الأوهام بين الناس وتعمي البصائر وتدغدغ أبسط غرائز الشعب باسم الثورة.
ولقد اجتمعت في نظامهم كل مقومّات الثورة المضادّة.
هاجس السلطة واقتسام الغنيمة
لقد كان هاجس السلطة واقتسام غنيمة الدولة صادما عند الترويكا. لم يكتفوا بالمناصب الموجودة بل أحدثوا مناصب أخرى وطفقوا يقتسمونها كغنيمة حرب سقطت بين أيدي جند من البربر. لم يتركوا أحدا من الأقربين إلا ودعوه للوليمة. فوزير للعدالة الإنتقاليّة ووزير للإصلاح الإداري ووزير للحوكمة الرشيدة ووزير للعلاقات مع المجلس التأسيسي وكاتب دولة للخارجية مكلف بآسيا وأمريكا وآخر مكلف بأوروبا وثالث بالعالم العربي وافريقيا. و حتى مورو أغرَوْه بمنصب مستشار قانوني للحكومة برتبة وزير لكنّه رفض.
وعندما قالوا لهم اقتسمتم الغنيمة، كابروا وغالطوا وقالوا جمعتنا البرامج. فهل ترى لهم من البرامج شيئا؟.
وعندما هدّدت كراسيهم مبادرة الجبالي انبروا يتّهمون الثورة المضادّة التي ترتعب من انجازاتهم. نعم إنجازاتهم! التي أهمّها معرض لبيع الأغراض الشخصيّة لعائلة بن علي يُفتتح بالشريط الأحمر وكأنّه جسر أو نفق تحت البحر أو مركز للبحوث. كذلك مشروع لتوريد عربات ثلاثيّة العجلات. ودون التوسع في تعداد الإنجازات وهي كثيرة على هذه الشاكلة فلنترك للمتنبي أن يلخصّها :
عَلى قَدْرِ أهْلِ العَزْم تأتي العَزائِمُ                            وَ تأتي علَى قَدْرِ الكِرامِ المَكارمُ
وَتَعْظُمُ في عَينِ الصّغيرِ صغارُها                 وَتَصْغُرُ في عَين العَظيمِ العَظائِمُ
إلغاء التاريخ
يطلع علينا الواحد منهم فلا يفوته أن يؤكّد أن كل ما وجدوه هو الخراب وأنّه لم يكن هناك تنمية على الإطلاق وأنّنا عشنا خمسين سنة من التهميش والإقصاء. يقول قوله هذا وهو منحدر من أسرة متواضعة وقد درس في تونس وتخرّج من جامعاتها وهو اليوم يتبوّأ المناصب ويلبس البدل الأنيقة، وما وجدوا إلا الخراب! قامت الثورة وهرب رئيس البلاد ولم ينقطع الماء ولا الكهرباء ولا الاتصالات وما وجدوا إلا الخراب ! مشكلنا في تشغيل أصحاب الشهادات العليا الذين تزخر بهم مدن الداخل والساحل وما وجدوا إلا الخراب ! نخبة كبيرة من المثقفّين والحقوقيّين والشباب الواعي وما وجدوا إلا الخراب ! نموّ ديمغرافي في مستوى نموّ الدول الأوروبية وما وجدوا إلا الخراب! طبيب لكل 812 ساكن وما وجدوا إلا الخراب! 75 سنة معدّل أعمار التونسيّين وما وجدوا إلّا الخراب!
وعمّا قليل سيأتينا من يقول أنّنا كنّا نئِد بناتنا قبل حكمهم وكنّا عراة حفاة نأكل الميتة والدّم.
فما قبلهم الجاهلية والتاريخ يبدأ من حيث بدأ حكمهم.
تخوين المعارضة والتضييق عليها
لقد كان بن علي يتهم معارضيه أنّهم "أعداء نجاح تونس" يستقوُون بالخارج لإلحاق الضرّر ببلادهم.
واليوم هم يتّهمون كل من يعارضهم بعدوّ الثورة وبالمنتمي للثورة المضادّة والردّة.
وكنت في عهد بن علي أقرأ أحيانا جريدة الموقف فأجد جزءا كبيرا منها خُصّص للتشكّي من الاعتداءات على المناضلين. فهذا ضربوه والآخر منعوه من الالتحاق باجتماع وثالث اعتدوا على سيارته. وكنت أشمئّز من لُؤم الديكتاتوريّة التي تسعى لمنع العمل العادي للمعارضة وإعاقتها عن التواصل مع المواطنين بإغراقها في المشاكل التافهة والجزئيّات إلى أن ينفر منها المواطنون من كثرة تبرّمها وشكواها.
ونفس الممارسات تتعرّض لها المعارضة اليوم. فأما نظام بن علي فقد كان يستنكف من تبنّي تلك الممارسات وكان ينسبها، زورا، لمجرمي الحقّ العام. وأمّا النظام الحالي فهو يشجّع من يقوم بها وينعتهم بضمير الثورة وبالشباب الغيور على أهدافها بل ويستقبلهم كبار مسؤولي الدولة.
الرداءة والجهل
وصلت الرداءة والجهل بل الحمق مستويات غير مسبوقة عند فريق السلطة، فقد أكّد عديد الوزراء أنّ نسبة النموّ في 2012 هي %5,5 وذلك باعتماد التحليل التالي : نسبة النموّ في 2011 هي %2- و نسبة النموّ في 2012 هي %3,5 فيجمعون النسبتين ليتحصّلوا على نسبة %5,5.
وهذا عين الجهل. فلنتصوّر أنّ الناتج المحلي في 2010 هو 100 وفي 2011 هو 50 فمعنى هذا أن النّاتج تراجع ب %50 ثم كان ناتج 2012 هو 51 أي نسبة نموّ %2 فحسب وزرائنا حقّقنا تقدمّا ب %52. نعم هذه نظريّة الصعود إلى القاع أو التقدّم إلى الخلف.
كما برز مثال آخر للرّداءة بمناسبة مبادرة الجبالي، إذ أكّد عديد الوزراء ومستشارو الرئيس أنّهم يساندون فكرة التكنقراط للوزارات التقنيّة والفنيّة دون غيرها. نعم، هكذا وكأنّ هناك وزارات غير فنيّة وغير تقنيّة مثل وزارة بيع البخور أو الدردشة؟ والحقيقة، إنّما يكشف هذا أنّ في أذهانهم عندنا وزارات للخطابة والمنظرة والأحاديث الصحفيّة والظهور في البلاتوات.
الإسفاف والتهافت
لقد تدنّى الخطاب لديهم إلى درجة من الإسفاف والتهافت والتضارب تجعل المستمع يشكّ أنّه في يقظة. فتجدهم يقولون الشيء و نقيضه في نفس الحوار وفي بعض الأحيان في نفس الجملة.
فإذا ذكروا أحزاب المعارضة قرّعوها على مواقفها المنتقدة وقالوا تونس في مرحلة انتقال ديمقراطي لا تحتمل معارضة وسلطة وأنّهم دعوا لحكومة توافق منذ الأوّل. فإذا عاب عليهم أحد الإنفراد بالحكم والإمعان في التعيينات الحزبيّة قالوا تونس انتقلت إلى طور الديمقراطيّة وتلك سنن الديمقراطيّة.
بل أغرب من هذا، يقدح مستشارو الرئيس في الحزب الديمقراطي التقدّمي ويتّهمونه بالتواطؤ مع بن علي فإذا سألوهم دليل نضاليّتهم قالوا أنّهم كانوا يكتبون في جريدة الموقف وهي لسان حال الحزب الديمقراطي التقدّمي.
انعدام روح المسؤوليّة وإشاعة فكر المؤامرة
إنهم لا يتصرفون كرجال دولة يقدّرون جسامة مسؤوليّاتهم وواجبهم تجاه الوطن كله. بل لا يطلّ علينا أحد منهم إلا ليشحن الأجواء ويوتّر الأوضاع عوض أن يعمل على الاستقرار والتهدئة. فتراه ينبري يكيل التهم والنعوت لخصومه فهذا من أعداء الثورة وذاك من أزلام التجمع والآخر عميل للمنظمات الصهيونيّة، إلخ.
كلّ من ينتقدهم هو من أعداء الثورة والمعيقين لتحقيق أهدافها. ففي أذهانهم تُحقّق الثورة أهدافها ما بقوا في كراسيهم أمّا الثورة المضادّة فهي كل عمل أو قول يهدّد كراسيهم.
أمّا فشلهم فإذا لم يقم عليه البرهان السّاطع فينكرونه ويقولون أنّ الإعلام يعاديهم. أمّا إذا قام عليه الدّليل فيُرجعونه للمؤامرة.
والحقيقة أن فكرهم سيوسوس لهم في الأخير أنّ العلم وقوانين الاقتصاد والأرقام ما هي إلا مؤامرة عليهم من أزلام النظام السابق والسبسي والمعارضة والموساد.
أتوقّع إذا قرأ هذا المقال بعض منهم سيكون أوّل ما يتبادر لذهنهم "أين كان كاتب المقال قبل 14 جانفي؟" و لكي أشبع فضولهم أجيبهم أنّي كنت في بلدي تونس.
وليد الشريف

jeudi 3 janvier 2013

حوار حول مسودة الدستور نشر بجريدة الصباح في 28/12/2012

نائب رئيس لجنة التوطئة والمبادئ العامة للدستور بالمجلس المدني لـ"الصباح
مسودة دستور التأسيسي" ترجمة لهاجس الشرعية.. والوصاية على الشعب

في إطار المساهمة في الحوار الوطني حول مسودّة الدستور المُعدّة من طرف المجلس الوطني الـتأسيسي، حاورت "الصباح" نائب رئيس لجنة التوطئة والمبادئ العامة والحقوق والحريّات بالمجلس المدني السيد وليد الشريف لتستطلع من جهة جوانب من مقترحات المجلس المدني ومن جهة أخرى قراءته لمسودّة الدستور.

 *ما الذي حملك على الانضمام للمجلس المدني؟

-هو الإيمان بالمستقبل وبقدرتنا نحن شباب هذا الوطن وكل المواطنين على أن نكون من بين الصّانعين لغد أفضل لبلادنا حتى ولو كنّا خارج إطار الأحزاب والمشهد السياسي. فالوطن والمستقبل شأن شخصيّ في ذهن كلّ تونسي بعد أن استرجع مواطنته. أملنا كان المساهمة بالاقتراح في رسم معالم مستقبل أجمل لتونس بعد أن تملّكناها من جديد. بعد أن تحرّرت طاقات الفعل وأصبحنا نسبح في محيط من الممكن.
*لكنّ هناك من يقول أن هذه المبادرة أحدثت للتشويش على المجلس التأسيسي ولخدمة تيارات معينة.
-لقد أخذت هذه الفكرة في حسباني وترصّدت أي فعل في هذا الاتجاه ولكن عملنا كان راقيا ومدنيا ولم يشبه أي توظيف. ولنتحدث بصراحة. بالنسبة لمحسن مرزوق صاحب الفكرة فإننا لم نره إلا في أول جلسة عامة. وبالنسبة لصلاح الدين الجورشي، الرئيس المنتخب للمجلس، فالمعروف أنه مستقل ثم إنّه لم يكن يمرّر آراءه أو يفرض مقترحاته. بل رفضت لجنتنا عديد المقترحات التي تقدم بها كعضو من الأعضاء. وكان دوره الأساسي إدارة النقاش وتنظيمه. وقد خضعت جميع المقترحات للتصويت داخل اللجنة ثم في الجلسة العامّة. وللخروج بالمشروع النهائي مررنا بما لا يقلّ عن 5 مسودات.
*هل تعتبر تجربتكم ناجحة؟
-نعم لأنّ من شارك فيها هم ثلّة من التونسيين منهم طلبة ومحامون وأساتذة جامعيون في اختصاصات عديدة وموظفون في الدولة وأصحاب مهن حرة. هم من المثقفين الذين يساهمون في بناء تونس بالعمل والكدّ بعيدا عن أضواء الإعلام. ثم أنّه لم تُمرّر علينا الاقتراحات تمريرا ولم تكن لنا نسب تمثيليّة ترجّح فكرة على أخرى تحت وطأة أوزان تصويتيّة. كانت وجاهة الفكرة والمقترح هي التي تفرض نفسها ولو دافع عنها الفرد الواحد.
عملنا كان أسطع دليل أنّ هذه الثورة مقدمّة لثورة حضاريّة ثقافيّة وأنها ليست ثورة جوع وفقر بل هي متعدّدة شاملة واعدة. لذلك أقول أن التجربة ناجحة.
*لكن النجاح لا يقف عند طريقة العمل، المهمّ هو ثمرة العمل والإعتراف به؟
-هذا صحيح. بيد أن طريقة العمل هي التي كفلت جودة المنتوج. فاقتراحاتنا كانت ذات قيمة عالية ومستوى رفيع وبرهنت أن في تونس طاقات يمكنها أن تنتج فكرا عالميا متى توفر لها الإطار الملائم. وقد نشرنا كتيبا ضمّ مقترحاتنا بتبرعّ شخصيّ من أحد المواطنين من خارج المجلس. ووزعناه على جميع نوّاب المجلس التأسيسي وعلى عديد الشخصيّات ورجال الإعلام. لكنّ المجلس التأسيسي رفض تخصيص جلسة استماع لنا. كما أنّي أعيب على الإعلام عدم تناول مقترحاتنا بالدرس والتمحيص لأنّي أعتبر ذلك واجبا وطنيّا من شأنه التأسيس لثقافة الحوار الوطني في جوهر المواضيع. ونحن واعون بضرورة التعريف بمقترحاتنا وبسطها على طاولة الدرس. وسنعمل في هذا الاتّجاه بكل تفان وإرادة.
*ما هي النقاط التي تراها هامة وفريدة في مقترحكم للتوطئة؟
-أوّلا أنّ المتحدّث في توطئتنا هو الشعب التونسي فقد استُهلّت التوطئة بعبارة "نحن الشعب التونسي". وفي ذلك رمزيّة على تملّك الشعب التونسي لدستوره وأنّه دستور لكلّ الشعب وليس نتاج توازنات تمثيليّة في المجلس التأسيسي. وتذكّر هذه الصياغة النوّاب أنّهم في خدمة كلّ الشعب وفي خدمة مستقبله فيتسامون عن صفتهم التمثيليّة وتغمر أذهانهم جسامة المسؤوليّة وثقل الأمانة الواجب تأديتها نحو الشعب كلّه ونحو الحاضر والمستقبل.
ثانيا تبرز التوطئة بشكل واضح أهداف وضع الدستور وأُطره وفي مقدّمتها القطع مع الاستبداد والفساد ومواصلة مسيرة الإنعتاق والتحرّر وتوفير مقوّمات العيش المشترك والرّفاهة للأجيال الحاضرة والقادمة في إطار التجذّر في الهويّة الإسلاميّة العربيّة والمحيط المغاربي والمتوسّطي والإفريقي.
ثالثا وهذه نقطة هامة جدا أن التوطئة تخلص إلى إعلان الشعب التونسي للتصوّرات والرؤى والقيم التي سينبني عليها دستوره: الحرية، العدالة، المساواة، علويّة القانون، التجذّر في الهوية والتعلّق بقيم الإسلام، النظام الجمهوري المدني والتوزيع العادل للثروات، إلخ.
*لو قارنا مقترحكم بمسودة الدستور المعدة من طرف المجلس التأسيسي
-لقد صُدمت عندما قرأت مسودّة توطئة المجلس التأسيسي. فهي لا تترجم عن فكر ثوريّ البتّة. فالمتحدّث فيها هم النوّاب"نحن نوّاب الشعب التونسي، أعضاء المجلس الوطني التأسيسي، المنتخَبين باستحقاقِ ثورة الحريّة والكرامة والعدالة" وهذه العبارة تترجم عن هاجس شرعيّة وعن عشق للذات وعن وصاية على الشعب.
ثم إن أوّل دوافع كتابة الدستور المذكورة هي الإعتزاز بنضالات الشعب وهذا خطأ رمزيّ جسيم. فالدستور لا يُكتب بالأساس للاعتزاز بالنضالات وإنّما لتوفير مقومات المواطنة والعيش المشترك. وربّما يذهب البعض أنّ عبارة "استجابة لأهداف الثورة" المذكورة من بعد تفي بالغرض. ولكنّ هذه الأهداف لم تعدد ولم تنسب هذه الثورة للشعب.
وفي التوطئة مشكلة كبرى هي عبارة "تأسيسا على ثوابت الإسلام ومقاصده المتسمة بالتفتح والاعتدال". وهذه عبارة عامة لا يعرف أوّل ما تشمل ولا آخره. لقد تقاتل عليّ وعائشة وكلاهما مدافع عن ثوابت الإسلام ومقاصده وكذلك فعل علي ومعاوية والشيعة والخوارج. وقتلت القاعدة من قتلت وهي حاسبة أنّها ما بارحت ثوابت الإسلام. هل معقول أن يكون لنا دستور لا نعرف ما يضبط لنا من حقّ وما يضع لنا من واجب ونبقى في انتظار فقيه في المستقبل ليدلّنا ما ثوابت الإسلام ومقاصده؟
ثم أنّ التوطئة وبما أنّها سلبت الكلمة من الشعب التونسي فهي لا تعلن بشكل واضح المبادئ والقيم التي يضعها الشعب لكتابة دستوره. فمن ذلك أنّ الحريّة والعدل والمساواة ذُكرت فقط على أنّها من مقوّمات الحكم وليست كقيم للعيش المشترك وكحقوق طبيعية. ومن ذلك غياب حقّ حريّة التعبير وحقّ الاختلاف والتنوّع دون تمييز.
الخلاصة أنّ النواب حسبوا أنّ الثورية هي نظم قصائد المدح في الثورة عوض الإبداع والعقلانية. فأغفلوا حقّ الشعب في تملّك دستوره بالتحدث محلّه وعدم الإعلان الواضح للقيم التي سينبني عليها الدستور وإغفالهم تماما لقيم أخرى وبحشرهم لعبارات عامة تشبع ظمأهم الإيديولوجي من قبيل"ثوابت الإسلام" و"التدافع السياسي".
*هل لك أن تبرز لنا أهمّ مقترحاتكم للمبادئ العامّة؟
-أوّل نقطة هي التأكيد على مدنيّة الدولة بإضافة المدنيّة لتعريفها"تونس دولة مدنيّة حرّة مستقلّة...".
ثانيا هو التأكيد على احتكار الدولة للعنف المشروع لتطبيق القانون، ممّا من شأنه أن يرفع من جريمة استعمال القوّة ولو لتطبيق القانون، من طرف الأشخاص أو الجماعات، إلى خانة انتهاك مبدأ دستوري.
ثالثا تبيان الأهداف العامّة للسياسات العموميّة وخطوطها العريضة وإطارها. فهي تهدف لتحقيق التنمية المستدامة على جميع الأصعدة: الاقتصاديّة والثقافيّة والاجتماعيّة. والتنمية المستدامة مفهوم يشمل الحاضر والمستقبل ويضمّ المحافظة على حقوق الأجيال القادمة في بيئة سليمة وفي ثروات البلاد وفي وراثة استراتيجيّات تنمويّة طويلة المدى واقتصاد متوازن وبلد أرسى دعائم التطوّر. كما بينا آليّات وأطر هذه التنمية، فهي تكون في كنف منظومة لامركزيّة وعلى أساس التوزيع المنصف للثروات والتضامن بين أفراد الشعب.
من أهم المقترحات أيضا الفصل 35 الذي يعدّد أهمّ القيم التي وجب أن نربّي نشأنا عليها لكي نقطع مع أسباب الاستبداد والفساد والتعدّي على حقوق الإنسان ونُرسي دعائم المجتمع المتطوّر الحرّ.
كما اقترحنا اعتماد دليل يضبط الإجراءات الشكليّة لتحرير النصوص القانونية. وذلك لتجنّب رداءة الصياغة التي صبغت عديد النصوص القانونيّة في بلادنا حتّى أصبحت قراءتها عبئا ثقيلا على النفس فضلا عن غياب الإنسجام في أشكال الصياغة مما ينفّر المواطن من القانون ويغرس في ذهنه أنّه مستعص عليه، موجّه لغيره وأنّه مُعدّ لظلمه والتغرير به.
أخيرا منع تعديل كل فصول باب الحقوق والحريّات وتحديد طريقة تأويل فصول الدستور في حالة التباس أو غموض باستبعاد التأويل الذي يحدّ من الحريّات الفرديّة والعامّة.
*وبالنسبة للمبادئ العامّة الواردة في مسودّة الدستور؟
-إنّ من يقرأ الفصول الواردة في هذا الباب سيشعر وكأنّها اتفاقية استسلام من الدولة. فلا يخلو فصل تقريبا من عبارة "تضمن الدولة" وكأنّي بنوّابنا قد سيطر عليهم هاجس ردّ الفعل تجاه الدولة الاستبداديّة التي لا تحترم القانون. فوجب أخذ ميثاق غليظ عليها.
*أستسمحك أن توضّح هذه الفكرة
-فلنأخذ مثالا. جاء في الفصل7 "تضمن الدولة حماية حقوق المرأة ودعم مكتسباتها". والأجدر أن تتّم صياغته على النحو التالي"حقوق المرأة في كذا وكذا مضمونة". وبما أنّ هذه الحقوق ذُكرت في الدستور فضمانها من طرف الدولة نتيجة حتميّة لأنّ الأصل في الأشياء احترام القانون من قبل الدولة والأشخاص ولا يحتاج هذا إلى تذكير. والأمثلة عديدة: الفصل6"تضمن الدولة للمواطنين الحقوق الفرديّة والعامّة..."، الفصل9"تضمن الدولة حقوق الطفل والفئات ذات الاحتياجات الخصوصيّة".
*هل هناك مآخذ أخرى؟
-نعم يقول الفصل4 أن الدولة حامية للمقدّسات. وأنت تعرف أنّ ما هو مقدّس عند زيد هو محلّ اجتهاد وتفكّر عند عمرو. وأنا أرى أنّ الأصحّ أن يُحمى المقدس في إطار تجريم العنصريّة والحثّ على الكراهية كي لا نتجنّى على حرية الفكر والمعتقد.
هناك غياب لتعريف المواطن وهذا خطأ منهجي. كما لم تنصّص المسودّة على مبدأ فصل الأحزاب عن الدولة وعلى احتكار الدولة للسلاح وللعنف المشروع لتطبيق القانون.
وهناك صياغات غريبة مثل الفصل8"على الدولة رعاية كيان الأسرة والحفاظ على تماسكها".
*وبالنسبة لباب الحقوق والحريّات، ما هي نقاط القوّة في مقترحكم؟
-أوّلا أنّ مقترحنا يُقدّم هذا الباب على باب المبادئ العامة. فالحقوق والحريّات تهُمّ الإنسان قبل أن يكون مواطنا وهي أهمّ من المبادئ العامة للدولة. ولعلّ نصّ الفصل الأوّل أفصح من كل تحليل:
- "الفصل الأوّل: الإنسان في ذاته قيمة كونيّة لا تمييز فيها على أيّ أساس كان".
إنّه التركيز على قيمة الإنسان في المطلق وعلى المساواة في هذه القيمة بين كلّ البشر بدون توقّف وتعداد للخاصيّات كاللون والدين والجنس، إلخ. بل هي صياغة عامّة جامعة تُغني عن كل تفصيل تماهيا مع قول الله تعالى في الآية 13 من سورة الحجرات "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ".
-ثانيا ضمان حقوق المرأة ومكتسباتها مع جعل المكتسبات الواردة في مجلة الأحوال الشخصيّة حدّا أدنى يمكن الرفع منه والبناء على أساسه ولكن لا يمكن النزول دونه.
-ثالثا الإقرار بحريّة الفكر والضمير والمعتقد على أن لا يحُدّ من هذه الحريّة إلاّ قانون حُصِر مجاله في تجريم العنف والتكفير وجميع أشكال التعدّي على حقوق الإنسان.
-رابعا وضع حدود للتفويض الانتخابي فلا يكون هذا التفويض صكّا على بياض من شأنه أن يقوّض حتىّ الأسس التي انبنى عليها. فمهما كانت مسميّاتها، لا يمكن للشرعيّة أن تكون مبررا للمسّ من الحريّات العامة والفرديّة أو للتراجع عن النظام الجمهوري والمبادئ الديمقراطيّة. بل يعاقب كل من ينتهك هذا المبدأ.
*وبالنسبة لباب الحقوق والحريات في مسودة المجلس التأسيسي
-نفس الاختلال في المنهجيّة فأغلب الحقوق والحريّات لم تُذكر كحقوق طبيعيّة ملازمة للإنسان وإنّما كحقوق تضمنها الدولة. ومن ذلك حرمة الجسد والحياة الخاصّة والمسكن وكرامة الذات البشريّة وسريّة المراسلات وحريّة تكوين الأحزاب والجمعيّات والنقابات.
هناك حقوق مُفرغة من كل ضمان حقيقيّ مثل حقّ الحياة الذي يخوّل الفصل 16 المساس به حسب ما يضبطه القانون. ولمّا كان القانون نتاجا لإرادة أغلبيّة سياسيّة فقد نُزع عن هذا الحقّ كل ضمان فعلي.
كما غاب عن نصّ المسودّة حريّة المعتقد وحريّة المبادرة الاقتصاديّة وحالة انتزاع الملكيّة للصالح العام.
من جهة أخرى نجد نقاطا محشورة في باب الحقوق والحريّات دون أن تمتّ له بصلة من قبيل دعم الدولة للعمل الأكاديمي والبحث العلمي وواجب المواطن في أداء الضرائب مع الإشارة لغياب التنصيص على أن الضرائب تُضبط بقانون.
وهناك صياغات غريبة مثل الفصل 31 "الصحّة حق لكل انسان..."
*في الختام، ماذا تقول؟
-مسودّة الدستور سُوّدت بمنهجيّة الوصاية على الشعب فكأنّها معاهدة لانتزاع حقوق من الدولة ولا تُترجم عن عقد اجتماعي يُبرز فيه التونسيّون درجة تحضّرهم والقيم الإنسانيّة التي يتعلّقون بها لتنظيم العيش المشترك بينهم وسياسة أمورهم.
حاوره : مصدق الشريف

samedi 8 décembre 2012

أفراح القبّة

جمعتهم السيّارة في ذلك الصباح الباكر وقد أنعشهم الجوّ البارد وقضى على بقايا النعاس في أجفانهم. كانوا أربعة من أعضاء المجلس التأسيسي استُحِثّوا في مهمّة عاجلة إلى قرية في الوسط الغربي يعتصم أهاليها منذ قرابة الشهر في الطريق العام قاطعين حركة المرور ومعطّلين المصالح. ورغم انتمائهم لتيّارات سياسيّة متنافرة، فقد ساد الودّ داخل السيارة التي مضت تطوي الأرض طيّا بينما انغمس أربعتهم في الحديث :
- أيّ مشكل هذا؟ لقد أُرغِم الواحد منّا أن ينهض باكرا ويتحمّل مشقّة التنقّل في هذا اليوم البارد
- وأنت المتعوّد على المجيء إلى قبة المجلس عند الظهر، هذا إذا قررت أن تأتي !
- يا رجل أنا آتي إلى القبّة عند الظهر أمّا أنت فلم أرك تحت القبّة طوال الأسبوع الماضي
- لي عذر في ذلك، لقد زارني أصهاري فاضطُررت لملازمتهم في قضاء حوائجهم وفي تجوالهم، أنتم تعرفون أنّ حسن الضيافة أمر مقدّس عند أهل الجنوب
- إيه...خاصّة بعد أن فاحت رائحة الأجور التي نتقاضاها، أصبح حسن الضيافة أقدس المقدسّات عند أهل الجنوب أو سواهم
- لقد ضخّم الإعلام المسألة وكأنّنا نتقاضى المليارات بينما لا يَعذر أحد مجهودنا المضني في كتابة الدستور ومراقبة الحكومة وسنّ القوانين
- نعم وكأنّ ليس لنا حياة خاصّة ومتطلبّات عائلية. أنا ورّطت نفسي في دينٍ لشراء منزل وكنت معوّلا على منحة التقاعد لكنّ الأمر سار على غير ذلك
- لا تغتمّ، ستسدّد الدين بمرتبّك، فأمامنا وقت طويل لإتمام مهمّتنا، كلّ كلمة في الدستور ستثير عشرات من اقتراحات التعديل والتدخلّات فضلا عن الجلسات المخصصّة للاستماع للحكومة وللمصادقة على القوانين ومناقشة الأحداث والوضع وأيام العطل والرّاحات، إلخ
- الحقيقة أنّي في بعض الأحيان تمنيّت لو كنت جئت إلى القبّة بعد هجرة خارج البلاد، لكنت أقبض ضعف مرتّبي وبالعملة الصعبة
- لقد أصبت في هذه فلا يخفاك أنّ للمهاجرين على الأنصار درجة...
انقطع الحديث عندما لاحظ النواب توقّف السائق بإشارة من دوريّة للحرس المروري. همَّ عون الدوريّة بتحرير محضر مخالفة لتجاوز السرعة القانونيّة لمّا استظهر أحدهم ببطاقة نائب بالمجلس التأسيسي فواصلوا الرحلة دون مخالفة وبعد تحية احترام من الأعوان.
- ما هي مطالب الأهالي في هذه القرية
- لقد تعدّدت المطالب والكلّ يريد كلّ شيء في الحال
- إنّهم يطالبون ببناء مستوصف، الحقيقة أنّ هذا مطلب يسير يجب تحقيقه
- يا رجل الضغط كبير على ميزانيّة الدولة، إنّها لا تحتمل مصاريف إضافيّة
- إنّه لا يتكلّف الشيء الكثير ويجب الضغط على الحكومة لبنائه وحلّ هذا المشكل
- وحتّى إن بنته الحكومة فلن تجد طبيبا أو ممرضا يقبل أن يعمل في تلك المنطقة النائية
- يا رجل لكل مقام مقال فلنبدأ بحلّ المشكل وسدّ هذا الباب
وفجأة رنّ جوال أحدهم فتوقّف الحوار. فهِم بقية الأعضاء أن المكالمة من مكتب المجلس. أشرق وجه النائب المتقبل للمكالمة وهو يقول :
- شكرا شكرا هذا شرف عظيم...بلغ الرئيس تحياتي وعرفاني...إلى اللقاء
نظر النّائب إلى رفاقه وعيناه تلمع حبورا فألفى وجوهم متطلّعة له وقد ارتسم عليها السؤال فقال :
- لقد كلّفني مكتب المجلس بمهمّة في الخارج. سأمثّل تونس في ملتقى برلماني لجنوب المحيط الهادي حول "التجربة النيوزيلاندية في تأنيث المناصب العليا في الدولة"
- وأين توجد نيوزيلاندا
- إنّها في المحيط الهادي وتفصلها عن تونس 18000 كم
- ولكنّ هذا سيكلّف ميزانيّة المجلس ثروة فتذكرة الطائرة لن تقلّ عن 7000 دينار
- فضلا عن التنقلاّت الداخلية وتكاليف الإقامة ومصروف الجيب
- وإن يكن، هذا من صميم أهداف الثورة، أنترك مكان تونس شاغرا في هذا المحفل الدولي؟ يجب التعريف بانجازاتنا العظيمة والسعي لإعلاء قيمتنا بين البلدان
- أنت قد شاركت في بعثتين للخارج إلى حدّ اللحظة وهذه البعثة الثالثة التي ستنعم بها
- اللهم لا حسد
- لست أحسدك ولكنّ العدل واجب، كلّنا نوّاب الشعب وكلّنا عنوان للثورة
- أنتم تعرفون أنّ بعض الزملاء نازعوني أحقيّة الخروج في البعثة الفارطة لكنّ القرعة فصلت بيننا وكنت سأتقبّل نتائجها لو جاءت على غير ما أشتهي
وتشعّب حديث البعثات فاستذكر الكلّ أحلى الذكريات والطرائف وما جلبوه من هدايا وما زاروه من أماكن.
وفي منتصف الطريق، تناولوا القهوة والمرطّبات في استراحة على الطريق السيّارة. وهاتف النّائب الموعود بالبعثة زوجته ليزفّ لها الخبر ويوصيها بإعداد حقيبته وقائمة بالمشتريات التي تودّها.
بعد ساعتين وصلوا لمدخل القرية المعتصم أهلها. أحجار وإطارات محروقة وشعارات كُتبت على ألواح، بضع نساء وبضع رجال وشباب وأطفال، عدد من الشاحنات مركونة على حافة الطريق وقد منعوها مواصلة السير والسواق يتفاوضون. نزل النوّاب والتحموا بالأهالي فغمرهم هؤلاء بالمطالب وقد تملّكهم التشنّج والعصبيّة :
 "لم تحصل أيّة ثورة، لم يتغيّر شيء، نحن نريد مستوصفا، يموت الواحد منّا بلدغة عقرب وقد تلد الحامل في طريقها إلى المستشفى الجهوي"، " نحن نريد زيارة رئيس الحكومة ورئيس الدولة..."
بعد لأي، تمكّن النوّاب من أخذ الكلمة فتداولوا عليها :
- إخواني، نحن نحيّيكم يا من صنعتم الثورة العظيمة ورفعتم رأس تونس عاليا. هنيئا لكم الحريّة والكرامة. ستتحقّق كلّ مطالبكم ولكنّ الصبر مفتاح الفرج. إخواني، إنّ الحكومة تولي منطقتكم الاهتمام الخاصّ والأولويّة المطلقة وقد رصدت لها اعتمادات ضخمة في ميزانية الدولة تبلغ كذا مليون دينار. أمّا المستوصف فقد تأكّدت من وزير الصحّة شخصيّا أنّه سيُشرع في بنائه الأسبوع المقبل.....
وقال كلّ ما يشبه هذا الكلام مع فوارق طفيفة في وصف عظمة الثورة والشعب ومساهمة أهالي المنطقة في الثورة.
في الأثناء، التحق على عين المكان معتمد الجهة والوالي بعد أن هدأت الخواطر. وحين أزف موعد الغداء، أخبر الوالي الوفد النيابي أنّ أحد كبار الفلاحين يستدعيهم للفطور وقد ذبح لهم خروفا عملا بسنّة أهل المنطقة في إكرام الضيف وتبجيله.
كانت الشمس قرصا أحمر في الأفق عندما توقّفت السيّارة أمام قبّة المجلس قافلة من الرحلة وقد جثم النعاس ثقيلا على النوّاب بفعل الرحلة والكسكسي بلحم الضأن. دلف النوّاب لمشرب المجلس في انتظار رفع الجلسة المسائية والتوجه للعشاء.
(1) العنوان لرواية لنجيب محفوظ
(2) حاولت استقاء معلومات عن بعثات النواب للخارج من موقع المجلس على الإنترنت لكن بدون جدوى. ليس هناك أيّة معطيات بخصوص هذه البعثات.

lundi 3 décembre 2012

حلم قبل العصر

اتّخذ مكانه متصدّرا الأريكة في الصالون وربّ الدار يردّد "زارتنا البركة يا سيدنا الشيخ" وقد تهلّلت أساريره ولمعت عيناه غبطة وسرورا.
وكان الشيخ يجيب "بارك الله فيك، الله يجازيك خيرا" وأصابعه تجذب حبّات المسبحة في حركة لا إراديّة أضحت عنده كالتنفّس ودقّات القلب.
قال الشيخ :
- كيف حالك يا رجل وحال أهلك
- بخير والحمد لله وما دمت قد زرتنا فإن الله راض عنا، مقامك عظيم يا سيدي الشيخ
- أستغفر الله، كلّنا عباده، كلّنا أبناء آدم
سكت الشيخ مليّا ثم نظر لربّ البيت وقال :
- الحقّ أنّي جئتك في أمر وإن شاء الله يوفّقنا الله في قضائه
- وكيف لا يقضي الله أمرا من أمورك يا سيدي الشيخ، أنت رجل صالح وقريب من الله، وأنا معك أيّا كان هذا الأمر
- بارك الله فيك، الحقيقة أنّي جئت أطلب ابنتك للزواج على سنّة الله ورسوله
ازداد وجه رب البيت انبساطا حتى كادت عيناه تقفز من الفرح :
- الحمد لله، الحمد لله، هذا شرف عظيم ومكرُمة من الله يا سيدي الشيخ، على بركة الله يا سيدي الشيخ
- على رسلك يا رجل، يجب أن تستأذن العروس، هذه سنّة رسولنا الأكرم وما أوصانا به عليه الصلاة والسلام
- وهل لها أن لا توافق؟ إنها مؤدّبة ومحافظة على دينها
- يجب استئذانها يا رجل، اذهب واستأذنها وأخبر أهل بيتك
قام الرجل من حينه ودلف للحجرات الداخليّة ولم تمرّ برهة قليلة حتى انطلقت زغرودة تتّقد فرحة وسرورا.
ثمّ ما لبثت أن جاءت العروس حاملة شراب الورد. وأيّ عروس، فتاة بالكاد قد فارقت ميعة الصبا، لم تر من الدنيا إلا ثمانية عشر ربيعا. ترتدي خمارا مزركشا ولباسا فضفاضا طويلا ستر كل جسدها. فلم يكن يظهر منها إلا الوجه والكفّين. بيد أن لباسها لم يمنع أن يشي بجسم يافع أكرمته الطبيعة أيّما إكرام وعينان واسعتين نجلاوين وحاجبين كهلالين وفم حسن.
رمق الشيخ الفتاة بنظرة أشعلت السّعير في عروقه. تلاطمت في أحشائه أمواج الرغبة وعوى دمه في عروقه كما يعوي الذئب الجائع في منتصف الليل حتى كاد لسانه ينعقد. ازدرد ريقه في صعوبة وانطلق يلهج "ما شاء الله"، "ربي يبارك" محاولا ما استطاع إخفاء لهاثه. وتسارع جذبه لحبّات المسبحة حتى بات كأنّه في سباق محموم مع الثواني. أمّا احمرار وجنتيه فكان دونه لحيته الكثّة.
ونضحت أعماقه امتنانا لكل كتب الفقه وأثر السلف الصالح وكلّ الشيوخ الذين ساهموا في تبوئه هذه المنزلة اليوم. وأسرّته نفسه النجوى...
بالأمس البعيد لم يكن مثله ليظفر بهذه الفتاة الغضّة. كانت حكرا على الفتيان من أترابها، من يتجمّلون ويتأنّقون ويرجّلون شعورهم ويجيدون الكلمات الرقيقة ونسج أحابيل الغزل ومراقصة الفتيات. من كان سيظفر بمثل هذه الفتاة؟ سوى شاب جميل يشغلها بنظراته العاشقة ويهديها الورود والأغاني الرومانسيّة ويُرسِل لها الرسائل العاطفيّة بالجوّال ويُهاتفها المرّات العديدة في الليل ويعدُّ لها المفاجآت والهدايا ويَنظُم لها الأشعار. أمّا هو فلم يَخبِر من هذا شيئا وكان بمعزل عن دنيا العاشقين. لم يكن ليدنو من فتاة لاسيّما إذا كانت جميلة. ولِمَ يدنو منها وهو لن يجد حديثا يتجاذبه معها ولا يعرف من فنّ العشق شيئا؟ أمّا اليوم فهو زمانه وعالمه ودولته. لا كلام معسول يجب أن يحفظه ولا أناقة ولا جسم رياضيي ولا أغان ولا نجوى. ليس بحاجة لأيّ من هذا، فهو سيدي الشيخ. يكفيه أن يتوجّه لوليّ الفتاة التي أخذت لبّه ويطلب يدها على سنة الله ورسوله فيظفر بها خالصة له.
إيه...بالأمس البعيد كان للمجتمع نجومه، رجال الأعمال والجامعيّون والأطبّاء والمحامون والمهندسون والفنّانون والصحفيّون، إلخ. أمّا اليوم، فالشيوخ والوعّاظ هم النجوم بل هم شموس تغمر الدنيا بنورها. تتمنّى العائلات مصاهرتهم وغاية أمل العذارى الظفر بواحد منهم ولو برتبة ضرّة. صحيح أنّه لا يزال في بداية الدرب، فهو لم يرتق لمنزلة الشيخ الفضائي ولكنّ خطواته صارت ثابتة في هذا الاتجاه، إذ حظي منذ برهة بعقد لتقديم برنامج وعظ وإرشاد في إحدى الإذاعات. ومن ثمَّ ستلاحظه القنوات المحليّة ومن بعد الفضائيّات المُكتسحة وعمّا قريب يصبح شيخا فضائيّا. النجاح آت لا ريب وسيوسّع عليه الله من الرزق الحلال الطيّب.
ومن فرط وجده وشعوره بعظمة اللحظة، حدّثه ذهنه أنّ ما هو فيه لا يكون إلا غاية من غايات التاريخ يسّرتها عناية إلهيّة خاصّة. ولمع في ذهنه الفهم كالبرق يجلو بهيم الليل فأدرك محطّات المسيرة المظفّرة التي توّجته زوجا وشيكا لحوريّة من حوريّات الدنيا. وأطلق الشيخ ذاكرته لترجع القهقرى وفي يدها، من وِجده، فانوس. فبدا له أنّ المسيرة كانت قدرا من الله ليُظهر الدين الحقّ على الدّين كلّه. في البدء سخّر الله جنودا من الأنس ليضرب بهم الطاغوت فكانت "الثورة". ثم جاءت الانتخابات فتحا ونصرا من عند الله، مبين. آل الأمر إلى أهل الإسلام وحماته. واجهتهم المشاكل في البداية وأبى البعض الحكم بما أنزل الله. لكنّ مكر الله كان فوق مكرهم واعتُمِد الدستور بالتأسيس على ثوابت الإسلام ومقاصده. وهاهو اليوم بعد عشرين سنة ينعم بجهاد إخوانه المخلصين. الحمد لله على هذه النعمة التي خصّ بها عباده الصالحين. وأيّ نعمة، إنّها ريح من رياح الجنّة. ثم أبى خياله إلاّ أن يجمح فتصوّر ملذّات ليلة الدخلة والخيرات التي سيضعها بين يديه وذلك الجسد الغض الطريّ وذلك الجمال الذي سيدين له. الحمد لله كل الحمد. وتاقت نفسه أن تتزوّد بنظرة أخرى من الوجه الصبوح فأرسل بصره تُجاه عروس المستقبل فارتدّ له خاسئا لهول ما رأى. إنّها زوجته العجوز وقد علت وجهها ابتسامة صفراء. فرك عينيه مستعوذا وقد استشعر ثِقلا في رأسه كأنّه يهبط من كوكب بعيد.
دقّق النظر فرأى نجفة رماديّة مألوفة تتدلّى من السقف فإذا هو متّكئ في حجرة الإستقبال في داره وقد شرد به النعاس. ورجع له الوعي فتذكّر صلاة العصر.
 قام على عجل فدلف إلى الحمّام ليغتسل ويلحق الصلاة في الجامع.

lundi 19 novembre 2012

ثوابت السيدة وهموم امرأة

في الحي الميسور
كانت السيّدة تُواجه المرآة في غرفة النوم الفخمة بعد أن دهنت وجهها الناعم بمرهم تليين البشرة المستورد. وضعت آخر اللمسات على وشاحها الحريري المزركش مُخفِيَة بعناية بالغة خصلة شعر متمرّدة وثبّتت البروش الأنيق الذي يشدّ الخمار. كانت على مشارف الخمسين لكنّها تبدو أصغر بسنوات. تتقاضى أجرا متميّزا وزوجها مهندس في شركة عالميّة وكلاهما ينحدر من أسرة ميسورة فكانا يعيشان رغَدًا ولم تواجههما الدنيا بوجهها الكالح.
كانت قد استيقظت فجرا ككلّ يوم لتصلّي وتفطر ثمّ تغتنم سكون الصبح لتنظِم جدول أعمالها وبرنامج اليوم وتدوّن بعض الأفكار. فالسيّدة تحتلّ مكانة مرموقة في حزب إسلامي حظي بفوز ساحق في انتخابات المجلس التأسيسي. غير أنّ حجم الفوز لم يضاهه إلّا حجم التعب والمجهود المضني في معركة الأفكار وكتابة الدستور. فالمعارضة أو الأقليّة كما اتّفق الحزب أن يسمّيها شرسة، فضلا عن رجال الإعلام والفنّ والثقافة الذين يقف أغلبهم موقف المتوجّس من حزبها. لكنّ اليوم ليس ككلّ الأيّام. فهو موعد المعركة الفصل وساعة القول الحسم. نعم، اليوم يُصوِّت المجلس على توطئة الدستور فإمّا أن يحتفظ بالصيغة التي اقترحها حزبها "تأسيسا على ثوابت الإسلام ومقاصده" أو يستبعدها كما يريد العلمانيّون المنبتّون. والحقيقة أنّها صيغة تفتّقت عنها قريحة أحد الإخوان لتعوّض مقترح إدراج الشريعة كمصدر أساسي لسنّ القوانين بعد أن استنفر العلمانيّون كلّ قواهم لرفض هذا المقترح. غريب والله المعارضة التي لَقِيَها هذا الاقتراح من أطراف عديدة. أيّ مكابرة هذه؟ أيرفضون ما أتى به الدين الحقّ؟ أيجادلون في تاريخنا و مقوّمات مجدنا الغابر؟ في أيّ أرض شرّيرة نبتوا؟
أيّ ضيْر في اعتماد الشريعة؟ فهي لم تَحِدْ يوما عنها طوال حياتها ولم يمنعها ذلك من النجاح والتنعّم بالحياة والانطلاق والسفر.
يقولون أنّ في الشريعة تعدّد للزوجات. وأيّ مشكل في هذا؟ ففيها سماح وليس إلزام والرجل إذا أحبّ زوجته لا يلتفت لغيرها. فزوجها مثلا لا يمكن أن يصبُو لغيرها ولو سمحوا له بتزوّج مائة امرأة.
ويقولون أنّ في الشريعة ضيْم للأنثى إذ ترث نصف ما يرث الرجل فيشتدّ عليها بأس الدهر. وهذه حجّة واهية مضحكة. فمن لا يكفيها الثلث لا يكفيها النصف. لقد تقاسمت هي وأشقاؤها الأربعة ميراث والديها. ورغم أنّ نصيبها كان نصف نصيب كل شقيق من أشقائّها فقد نالها الخير الوفير.
ومالها الشريعة؟ لماذا يرفضونها؟ أيحبّون شرب الخمر؟ إنّ ليس فيها إلا الوبال. لقد صدم سكران سيارتها وهي رابضة ذات ليلة وآلاف الجرائم سببها معاقرة الخمر.
كانت مسترسلة في التفكير عندما رنّ هاتفها المحمول فانتبهت أنّ وقت الخروج قد أزف. قامت نشطة تحثّ الخطى فعَبَرَت من باب المطبخ إلى المستودع حيث تربض سيارتها. لفحتها حرارة الجوّ، فالمستودع غير مكيّف فدلفت مسرعة للسيّارة لتشغّل المحرّك والمكيّف. أخرجت السيّارة من المستودع وداست على البنزين لتنطلق مسرعة مبتسمة صوب المجلس التأسيسي.
في الحيّ الشعبي
أفاقت المرأة والظلام لم يسحب بعد آخر خيوطه من السماء. وأوّل ما أحسّت به تعب عضلاتها وألم الظهر اللعين الملازم لها صيفا وشتاءا. كانت في آخر الثلاثينات من عمرها ولكنّ شظف العيش ومُرّ الحياة جعلاها تبدو في الخمسينات.
قضمت كسرة من الرغيف البارد وتركت بقايا كسكسي البارحة لأولادها الأربعة فهم بعد حين سيستفيقون ليذهبوا لمدارسهم. رفعت رأسها للسماء وقالت "يا ربّ ساعدني على همّ الزمان".
من داخل الغرفة أتتها همهمة زوجها وسعاله. هو لن يستيقظ إلا بعد الضحى ليذهب إلى المقهى أو يشتغل إذا تيسّر له ذلك. العيش معه جحيم لا يطاق. لا مورد رزق قارّ له، سكير، عنيف. والثورة لم تمُرّ عليه من دون أثر. ازداد جهله وتواكله. أمّا الانتخابات فكانت الحدث الفارق. فبعدها أصبح أكثر شراسة، إلى أن أضحى يهدّدها بالطلاق والضرّة وبالرمي في الشارع وببيت الطّاعة.
لقد ظنّ الرجل أنّ البلاد ستتغيّر بصعود الحزب الإسلامي للحكم. وهي قد ارتعدت لكلامه، فمن يؤويها إذا طلّقها وطردها ومن سيقف معها؟ لا أهل لها ولا حول ولا قوة. وقد حاولت ابنتها التلميذة في المرحلة الثانوية طمأنتها أنّه من المستحيل الرجوع في حقوق المرأة. بيد أنّ القلق ما زال يفترس نفسها. انتبهت فجأة من وساوسها فعجّلت بارتداء فستانها القديم وخرجت تحثّ الخطى لتصل لمحطة الحافلة قبل مرورها. فلو تأخرت ساعة عن بداية العمل سيخصم يوم عمل من مرتبها الهزيل. في الخارج حرّ لا يطاق وغبار خانق لكنها مضت بعزيمة متّقدة لم تفتّها قطرات العرق التي بدأت تنساب على ظهرها.
اليوم، يوم موعود إذ سيتمّ الإعلان عن نتائج مناظرة رؤساء المصالح وقد وعدها، سي الطاهر، أحد المترشّحين بأن يعطيها عشرين دينارا إذا نجح. نعم، عشرون دينارا بالتمام والكمال. ولقد نذَرَت أن تشتري بها لحما وغلالا ليأكل أطفالها. فكلمة ابنها الصغير تسكن دماغها منذ أسبوع إذ قال لها "أمّي، لقد اشتقت للحم".
غير بعيد عن محطّة الحافلات، تصادفت السيّدة مع المرأة ولم تلاحظ الواحدة منهما الأخرى. ومضت السيّدة تقود سيّارتها مبتسمة مشرقة الوجه تعكس نظراتها روح التحدّي والتصميم وفي ذهنها فكرة واحدة "لا بدّ من الانتصار في معركة ثوابت الإسلام ومقاصده". وانحشرت المرأة في الحافلة المُثقلة بالناس وآلامهم وفي ذهنها فكرة واحدة "اللهم نجِّح سي الطاهر لأشتري لحما لأولادي إن شاء الله".